
بقلم الكاتب: حسين أبوالمجد حسن
في عالم السياسة، تُدار الأمور بالحسابات الدقيقة، وتُوزن القرارات بميزان المصالح، غير أن القلب — حين ينبض بالحب — لا يعرف منصبًا ولا سنًّا ولا أعرافًا… فالقلب لا يُطيع إلا نفسه، ولا يخضع إلا لسلطان العشق.
قبل خمسةٍ وثمانين عامًا، كان في مصر رجلٌ يهابُه الجميع، رئيس وزراءها محمد توفيق نسيم باشا، رجلٌ من نسل العظمة، تربى في بيتٍ امتد مجده منذ عهد محمد علي باشا، تدرّج في المناصب حتى بلغ قمة السلطة، فكان وزيرًا للأوقاف والداخلية، ثم رئيسًا للديوان الملكي، حتى صار رئيسًا لوزراء مصر ثلاث مرات، ونال قلادة النيل العظمى تكريمًا لعقله وعدله ومجده.
لكن ذلك الرجل الجليل الذي دانت له القصور والوزارات، لم يكن يملك على قلبه سلطانًا.
فبعد أربعين عامًا من الوفاء لزوجةٍ راحلةٍ أحبها حتى الرمق الأخير، وبينما تجاوز السابعة والستين من عمره، شاء القدر أن يسافر إلى “فيينا” للعلاج… وهناك، لم يأتِه الشفاء من دواء، بل من نظرة فتاةٍ في السابعة عشرة من عمرها، تُدعى “ماري هوبنر”، ابنة صاحب الفندق الذي نزل فيه.
نظرة واحدة كانت كافية لتعيد إليه دقات الشباب المنسي، لتوقظه من سكون السنوات الطويلة، ولتفتح في قلبه بابًا كان قد أغلقه على ذكريات امرأةٍ رحلت منذ زمن بعيد.
وحين طلب يدها للزواج، وافقت الفتاة ببراءة العاشقين، ووافق أهلها، لكن حين وصل الخبر إلى مصر، اشتعلت العاصفة…
كيف لرئيس وزراء مصر، رجل الدولة الكبير، أن يقع في غرام فتاة أجنبية في عمر حفيداته؟!
وكيف يرث قلبه أجنبيّة بعد أن أوصى بكل ثروته للجمعيات الخيرية؟!
انقلبت عليه الصحف، وتناقلت الصالونات حكاية “العشق الممنوع”، حتى استغل خصمه اللدود، إسماعيل صدقي باشا، الموقف ليحرك دعوى “الحجر” على نسيم باشا بدعوى اختلال قواه العقلية!
اجتمع الأطباء، وفحصوا الرجل الذي أرهقته السياسة ووجعه الحب، وكتبوا في تقريرهم:
> “إن مرضه لا يمسّ عقله، ولا يمنعه من الزواج، فهو ما زال عاقلًا… فقط عاشقًا.”
لكن مصر التي ضجّت بصوت العشق، خنقت تلك الحكاية في مهدها، فتراجع نسيم باشا عن الزواج، وفسخ الخطبة، وأهدى ماري مبلغًا من المال كتعويض، وكأنه يعتذر للحب نفسه لأنه لم يقدر أن يحميه من الناس.
وبعد شهرين فقط، أسلم الرجل روحه إلى بارئها… كأنما مات وفي قلبه غصّة عشقٍ لم يكتمل.
أما خصمه إسماعيل صدقي باشا، الذي اتهمه بالجنون، فقد تزوج بعد عامين من فتاة تصغره بأربعين عامًا!
وكأن القدر أراد أن يكتب سطرًا ساخرًا في تاريخ القلوب:
> من سخر من عشق غيره، وقع في فخّ العشق نفسه.
وهكذا يبقى الدرس خالدًا:
أن العشق لا يُقاس بالعمر، ولا يُحاسب بالمناصب، فرب شيخٍ تجاوز السبعين يحمل قلب صبيٍّ في السابعة عشرة، ورب فتاةٍ صغيرةٍ تملك من النقاء ما يُعيد للحياة معناها.
رحم الله محمد توفيق نسيم باشا، ورحم كل قلبٍ أحبَّ في صمتٍ، وخاف أن يُعلن حبَّه في وجه الدنيا.





